الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

34

مختصر الامثل

البحث بنظام الحياة والموت ، ثم التفاوت في الأرزاق والإستعدادات الكاشف لنظام ( تنوع الحياة ) لتنتهي بالآية مورد البحث ، حيث النظر إلى نظام تكثير النسل البشري و . . . الأرزاق الطيبة . وتقول الآية : « وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا » لتكون سكناً لأرواحكم وأجسادكم وسبباً لبقاء النسل البشري . ولهذا تقول وبلافاصلة : « وَجَعَلَ لَكُم مّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً » . « الحفدة » : بمعنى ( حافد ) وهي في الأصل بمعنى الإنسان الذي يعمل بسرعة ونشاط دون انتظار أجر وجزاء ، أمّا في هذه الآية فالمقصود منها أولاد الأولاد . ثم يقول القرآن الكريم : « وَرَزَقَكُم مّنَ الطَّيّبَاتِ » . وبعد كل العرض القرآني لآثار وعظمة قدرة اللَّه ، ومع كل ما أفاض على البشرية من نعم ، نرى المشركين بالرغم من مشاهدتهم لكل ما أعطاهم مولاهم الحق ، يذهبون إلى الأصنام ويتركون السبيل التي توصلهم إلى جادة الحق « أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ » . وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ( 73 ) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ( 74 ) تواصل هاتان الآيتان بحوث التوحيد السابقة ، وتشير إلى موضوع الشرك ، وتقول بلهجة شديدة ملؤها اللوم والتوبيخ : « وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَايَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ شَيًا » . وليس لا يملك شيئاً فقط ، بل « وَلَا يَسْتَطِيعُونَ » أن يخلقوا شيئاً . وهذه إشارة إلى المشركين بأن لا أمل لكم في عبادتكم للأصنام . ثمّ تقول الآية التالية كنتيجة لما قبلها : « فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ » . وذلك « إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَاتَعْلَمُونَ » . إنّ عبارة « فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ » تشير إلى منطق المشركين في عصر الجاهلية ( ولا يخلو عصرنا الحاضر من أشباه أولئك المشركين ) حيث كانوا يقولون : إنّما نعبد الأصنام لأنّنا لا نمتلك الأهلية لعبادة اللَّه ، فنعبدها لتقرّبنا إلى اللَّه ! وإنّ اللَّه مثل ملك عظيم لا يصل إليه إلّا الوزراء والخواص ، وما على عوام الناس إلّاأن تتقرب للحاشية والخواص لتصل إلى خدمة اللَّه !